السيد كمال الحيدري

61

المعاد روية قرآنية

فالنشأة الدُّنيا في كثير من الأحيان في ظاهرها شئ ، وفى باطنها شىءٌ آخر . والأمور في الدُّنيا لا تؤخذ بحسب الظاهر فقط ، وإنّما هناك وراء هذا الظاهر أمرٌ آخر . نعم بعض الناس وصلوا إلى مقامات عالية في ظاهرهم وباطنهم ، وسرّهم وعلانيتهم ، فهم على درجة واحدة ، بل لعلّ سرّهم أعلى وأقرب إلى الله من علانيتهم ، ولو كُشف لهم الغطاء ما ازدادوا يقيناً . وهذه حالات خاصّة . أمّا الحالة العامّة فإنّ الحقّ مختلط بالباطل كما أشارت إلى ذلك الآية المتقدِّمة ، والتي يقول الطباطبائي في تفسيرها : « والآية الكريمة من غرر الآيات القرآنيّة تبحث عن طبيعة الحقّ والباطل فتصف بدء تكوّنهما وكيفيّة ظهورهما والآثار الخاصّة بكلّ منهما وسنّة الله سبحانه الجارية في ذلك . . . » . إلى أن يقول : « إنّ تفرّق هذه الرحمة السماويّة في أودية العالم وتقدّرها بالأقدار المقارنة لها لا ينفكّ عن أخباث وفضولات تعلوها وتظهر منها ، غير أنّها باطلة أي زائلة غير ثابتة ، بخلاف تلك الرحمة النازلة المتقدّرة بالأقدار فإنّها باقية ثابتة أي حقّة . وعند ذلك ينقسم ما في الوجود إلى حقّ وهو الثابت الباقي ، وإلى باطل وهو الزائل غير الثابت » « 1 » . فهذا الطلب للحقيقة في الدُّنيا لا يمكن أن يتحقّق في النشأة الدنيويّة من غير أن يعلوها بطلان ومن غير أن تصاب بالاشتباه والخطأ على وجه العموم . وهذه النشأة نشأة لم يتّضح فيها الحقّ محضاً وخالصاً من غير أن يعلوه الزبد ، والكثير منّا يتصوّر أنّ هذا الزبد هو الحقّ فيلتبس عليه الحقّ بالباطل ،

--> ( 1 ) الميزان في تفسير القرآن ، مصدر سابق : ج 11 ص 338 335 .